الشاعر المبجّل عبد الله البردوني " من أبرز شعراء القرن !! "

تعليق واحد3:02 م, مرسلة بواسطة 212341351

بـسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

- 0 –

استفتاح المقدمة بـسم الله تعالى:


عبدالله البردوني

هو شاعر ضاقت عليه نفسه ووطنه وحكومته..
لم يسلم من لسانه وقلمه وحرفه حاكما ولا محكوما ولا ملكا ولا مملوكا ولا أميرا ولا مأمورا ولا وطنا ولا غربة.
دخل عليهم بالعرض والطول، بالوجه والقفا، بالظهر والبطن..
صفع الوجوه الكالحة، أخرس الأصوات النائحة، بقر الجيوب الكاشحة..

ما سلمت منه حكومة بلده ولا سلمت منه الحكومات العربية من شرقها إلى غربها، بل حتى لم تسلم منه نفسه والشعب وما أمنت منه الأحزاب وأدعياء المعارضة وما هجعت بسلام حيث توحدت مع حكوماتها في نبذه والحقد عليه..
حقدت عليه وكرهته العلمانية والشيوعية والإسلامية والإمبريالية والرأس مالية والاشتراكية والبيروقراطية و... و...
صفّوا أمامه صفّا، فدكّهم دكّا.
جلد بسوط لسانه ساخرا من سياطهم..
حبسهم في زنزانة دفاتره ساخرا من زنازينهم..
سخر منهم جميعا ولم يملكوا لأنفسهم دفعا ولا نفعا ولا ضرا..
قذفهم بشتائم وسباب فحقدوا عليه..
حبسوه.. منعوه.. سجنوه.. قاطعوه.. حاصروه.. أرشوه.. تركوه..
فما نفعهم كلّ ما فعلوه.
وظلّ الرجل يجلدهم بحد اللسان ويشاور عليهم بالبنان .. ساخرا.. متهكما.. متحديا.. ثائرا.. زاجرا.. ناشرا الرعب في قلوبهم.

شاعر معاق أعاق جمعهم
أعماهم وأمرضهم فلم يجدوا من دائه دواء.

لست هنا كي أكتب تأريخ هذا الشاعر الزعيم العملاق.. فما من موقع من المواقع إلاّ وتحدّث عنه وعن ذكره وتأريخه.. وما من مكتبة من المكتبات إلاّ وعمرت بكتبه ومجلداته ودواوينه.. وما من مجلس من المجالس إلاّ وردّد صدى أشعاره.


شاعر أعمى كفيف البصر مثقب الوجه والجسد من آثار الجدري..
تراه وكأن لا عينين في محاجرهما..
إذا رأيته حسبت أنه رجع إليك من القرون الغابرة..
يخيّل لك وكأنّه صورة من أساطير فيكتور هيجو في البؤساء وأحدب نوتردام أو تشارلز ديكنز في أوليفر تويست ودايفيد كوبرفيلد..
يتهيأ لك وكأنّه جمع تحت جبته المعري وطـه حسين وبشار بن برد والأعشى والحطيئة وأبي العتاهية والصعاليك والخوارج و...

يائس من عالمه البائس..
الفقر والبؤس والشقاء والحرمان أكلوا من لحمه هنيئا وشربوا من دمه مريئا..
أمضى السجن عمره وقضاه ودقّ عظمه وهراه.
فما زاده بؤسه إلاّ بأسا على بأسه..
ولا زاده السجن إلاّ شأنا على شأنه..
الحبس داره والجوع زاده والسل والجرب رداءه والاعتقال انطلاقه والأسر حريته والحكام عبيده والوطن غربته والعزلة صاحبته والشعب قرينه..

كانت أشعاره محظورة ذكرها.. كانت كتبه ممنوعة نشرها.
لم يشفع له بؤس الحياة ولا ضنك العيش ولا كفّ البصر ولا سقم البدن من حبسه واعتقاله وسجنه وعقابه وتعذيبه.
ما رحمه جلادوه ولا لانت قيوده.. مكبلا بالسلاسل.. متنقلا من سجن في قلعة إلى قلعة في سجن.

أشتهر عن لسانه بين الناس أنّه قال: كلّما جئت بقصيدة فإذا أنا ألملم خرقي وطراريحي وأحزم فرشي ومخدتي وأنتظر عند الباب مستعدا متحريا عسكري الإمام ليأتي ويقودني إلى سجني.

استمعوا له هنا وهو يحكي بعض معاناة سجنه:

هدني السجن وأدمى القيد ساقي
فتعاييت بجرحي ووثاقي

وأضعت الخطو في شوك الدجى
والعمى والقيد والجرح رفاقي

في سبيل الفجر ما لاقيت في
رحلة التيه وما سوف ألاقي

سوف يفنى كل قيد وقوى
كل سفاح وعطر الجرح باقي


إيه والله، فني كلّ قيد بعد أن تكسر وذهب كلّ سفاح بقوته وسلطانه وما بقي إلاّ عطر جرح الشاعر حائم جاثي.

وهنا مناجاة أخرى مع سجنه:

لا تـسألي يـا أخت أين مجالي؟
أنا في التراب وفي السماء خيالي

لا تـسأليني أيـن أغـلالي، سلي
صمتي وإطراقي عن الأغلال؟

أشواق روحي في السماء وإنما
قدماي في الأصفاد والأوحال

وتوهمي في كل أفقٍ سابحٌ
وأنا هنا في الصمت كالتمثال

أشكو جراحاتي إلى ظلي كما
يشكو الحزين إلى الخليّ السّالي


ويرثي من هنا حال نفسه والكدّ والحرمان والبؤس والشقاء بأبيات عجيبة وغريبة:

يا حياتي ويا حياتي إلي كم
أحتسي من يديك صابا وعلقم

لم أجد ما أريد حتي المعاصي
أحرام علي حتي جهنم؟



في هذا المقام اخترت أربعة من قصائده التي تعدّ بمئات المئات:


ـ أبو تمام وعروبة اليوم
ـ وردة من دم المتنبي
ـ الغزو من الداخل
ـ بشرى النبوءة


شاعر اليمن والعرب: عبد الله بن صالح بن حسن البردوني (عبد الله البردوني)


سئل البردوني ذات مرّة في محطة من محطات سفره عن اليمن وأحواله فأجاب ضاحكا: أنظر إلى وجهي تعرف حال اليمن.



ختم المقدمة بحمد الله تعالى.




- 1 -


فتح الباب الأول بـسم الله تعالى:


أبو تمام وعروبة اليوم


الزمان: 1971
المكان: الموصل ـ العراق
المناسبة: جائزة (أبو تمام) في إمارة الأدب والثقافة والشعر العربي
الحضور: جميع الشعراء في الوطن العربي الكبير والنقاد وجمع هائل من المسئولين والمثقفين والصحفيين ورجال العلم والأعمال.

يطيب لي هنا أن أنقل إليكم ما دونه الأخ العزيز د. رشيد الخيون في صحيفة الشرق الأوسط حول تلك المناسبة وما سبقها ولحقها من هرج ومرج وجدل ولغط ومن أمور يصف فيها حال البردوني والحضور:

} ... ويشكر البردوني عماه في وجده وتفوقه الأدبي والثقافي بقوله.
"والله لو لم أكن كفيفا لكنت مثل اخوتي فلاحا أو راعيا أو مغتربا في إحدى دول الخليج"
ولكن كيف يكون كفاف البصر عاملا رئيسيا في هذا الوجود والتفوق كما يصفه صاحب العلاقة؟ هل يعني به العمى العبقري؟ فهناك عميان لا يستدلون طريقهم حتى مع دليلين وعصا، بينما هناك من عادل عماه ملايين العيون المبصرة والمفتوحة على مصراعيها. دعونا نقول إنها ظاهرة " العميان العباقرة" والتي ينتمي لها عبدالله البردوني بكل ثقة عندما وصل عبدالله البردوني إلى العراق للمشاركة في مهرجان أبي تمام عام 1970م لم يعجب البعض هيئته وملابسه البسيطة فوجهه "مجدر" و" دشداشته" لا تليق بالمناسبات الرسمية كما يرى البعض ذلك، لكنه لم يكن رسميا في يوم من الأيام سواء مع أهل السلطة أو مع العامة، تتفجر ضحكته مع الأعماق متى ما أعجبه ذلك، حتى قيل همسا" بدون من الصحراء" وهذا أقل ما يقوله هذا النوع من المثقفين وندما أعتلى المنصة وقال بائيته مخاطبا أبا تمام ومطلعها الذي شاع في العراق بسرعة.
ما أصدق السيف إن لم ينضه الكذب
وأكذب السيف إن لم يصدق الغضب

وعندها سكت من أستاء من هندام البردوني ولم يتطاول أكثر وفي هذا المهجران طلبت منه الشاعرة العراقية المعروفة لميعة عباس عمارة أن يقرأ في اليوم الأول لأهمية شعره، فهي عارفة بدبلوماسية مثل هذه المؤتمرات، وقد تكون بساطة البردوني من ثياب وهيئة عاملا في تقديم غيره من الشعراء المتأنقين، لذلك هرولت إلى وزير الثقافة العراقي آنذاك شفيق الكمالي طالبة منه ضرورة أن يقرأ البردوني في اليوم الأول من أيام المهرجان لعلو شأن الشاعر، وفعلا حصل ذلك رغم أن البردوني لا يفاضل بين الأيام. ... {



كان هذا بعض ممّا جاء عن لسان الدكتور الخيون، وأضيف إلى وصفه أنّه بعد انتهاء البردوني من إلقاء قصيدته التي سرعان ما ذاع وشاع صيتها الأفق وغطّت سحائبها وقرعت أجراسها وبلغ صداها الوطن العربي الكبير من محيطه إلى خليجه، قام الجمهور بالتصفيق والتكبير حتى التهبت الأيادي وبحّت الحناجر وتقدم إليه الشاعر نزار قباني الذي كان حاضرا مع جملة من الشعراء من أمثال الشاعر محمود درويش والجواهري والبياتي وغيرهم من الأفذاذ الذين شاركوا في هذه المسابقة حيث أخذ بيد الشاعر البردوني يصافحه ويعرفه بنفسه:

- أنا نزار قباني
فيردّ عليه البردوني مداعبا:
- لا تقل نزار بكسر النون ولكن قل نزار بفتحها
وضحكا الاثنان في عناق واحتضان.

أما صديقه وصاحبه الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري فقد هانت عليه قصيدته من بعد أن استمع إلى قصيدة أخيه البردوني ولم يكلف نفسه عناء قراءتها وسجّل حضوره بقوله الخالد:

- "حسبي من المهرجان كله ما قاله شاعر اليمن الكبير الأستاذ عبدالله البردوني"

وقد قال البردوني في رثاء صديقه الشاعر الكبير الجواهري بيته المأثور:

انهي طريقا مستهلا طريق
نهاية العنقود بدء الرحيق


واستحقّ البردوني على قصيدة "أبو تمام وعروبة اليوم" جائزة إمارة الشعر والأدب العربي في الموصل من أرض العراق.. وقد استدعي إلى بغداد فيما بعد حيث قابله رئيس العراق الراحل أحمد حسن البكر وقائد الأركان الراحل صدّام حسين الذي أعجب به أيّما إعجاب، وبعد الاستماع إلى قصيدته، قام صدّام بتقليده الوسام وتسليمه الجائزة الكبرى في حضور عدد من الرؤساء العرب والوزراء والسفراء والمثقفين.

لقد ألقى البردوني هذه القصيدة العصماء منذ نيف وثلاثة عقود كاملة وما تزال تلك القصيدة تتحدث عن نفسها حتى اليوم بالرغم من مرور كلّ تلك السنين العجاف على الأمة وأوطانها.. وكأنّ البردوني بمتنبئ هذا الزمان حيث تنبأ عن أشياء فينبئ عنها ويحذر منها منذ سالف ذلك العهد كي نشهد من بعد ذلك وكيف أنّ الأيام حبلى وقد وضعت حملها كما تنبأ وتوقع.. عينا بعد أثر
لم تكن تلك النبوءة وتلك الفراسة من البردوني بيتيمة أو وحيدة لكن سبقتها ولحقتها نبوءات وفراسة تحققت جميعها على جاري السنين سواء في داخل اليمن أو في خارجه من محيط الوطن العربي وديار الإسلام.

هنا يصور لنا البردوني غزو أميركا للعراق من قبل ربع قرن وازداد سبعا (33سنة):

الـيوم عـادت عـلوج (الروم) فاتحة
ومـوطنُ الـعَرَبِ الـمسلوب والسلب

مـاذا فـعلنا؟ غـضبنا كـالرجال ولم
نـصدُق.. وقـد صدق التنجيم والكتب

فـأطفأت شـهب (الـميراج) أنـجمنا
وشـمسنا... وتـحدى نـارها الحطب

وقـاتـلت دونـنا الأبـواق صـامدة
أمـا الـرجال فـماتوا... ثَمّ أو هربوا


يا ترى هل عادت الذاكرة بوزير إعلام العراق السيد محمد سعيد الصحاف إلى مربد والبردوني ليحيي كلمة "العلوج" من دستور البردوني. الله أعلم!

ويتصدى للحكومات بمقولته:

حـكامنا إن تـصدوا لـلحمى اقتحموا
وإن تـصدى لـه الـمستعمر انسحبوا

هـم يـفرشون لـجيش الغزو أعينهم
ويـدعـون وثـوبـاً قـبل أن يـثبوا


ليذهب البردوني إلى أبعد من ذلك في ذكر أميركا بالاسم وعاصمتها واشنطن فيقول:

الـحاكمون و»واشـنطن« حـكومتهم
والـلامعون.. ومـا شـعّوا ولا غربوا

الـقـاتلون نـبوغ الـشعب تـرضيةً
لـلـمعتدين ومــا أجـدتهم الـقُرَب

لـهم شموخ (المثنى) ظـاهراً ولهم
هـوىً إلـى »بـابك الخرمي« ينتسب


ويعود البردوني يروي لعصر أبي تمام وعهد المعتصم و وا معتصماه فيخبرهما عن عروبة اليوم فيا للعجب والطرب:

مـاذا تـرى يـا (أبا تمام) هل كذبت
أحـسابنا؟ أو تـناسى عـرقه الذهب؟

عـروبة الـيوم أخـرى لا يـنم على
وجـودها اسـم ولا لـون.ولا لـقب

تـسـعون ألـفاً (لـعمورية) اتـقدوا
ولـلـمنجم قـالـوا: إنـنـا الـشهب

قـبل: انتظار قطاف الكرم ما انتظروا
نـضج الـعناقيد لـكن قـبلها التهبوا

والـيوم تـسعون مـليوناً ومـا بلغوا
نـضجاً وقـد عصر الزيتون والعنب


وأصغ السمع للبردوني يتحدث عن صنعاء واليمن والعرب:

(حـبيب) وافـيت من صنعاء يحملني
نـسر وخـلف ضلوعي يلهث العرب

مـاذا أحـدث عـن صـنعاء يا أبتي؟
مـليحة عـاشقاها: الـسل والـجرب

مـاتت بصندوق »وضـاح«بلا ثمن
ولـم يمت في حشاها العشق والطرب

كـانت تـراقب صبح البعث فانبعثت
فـي الـحلم ثـم ارتمت تغفو وترتقب


ولم ينتهي الجواب عند البردوني كما لم يتوقف السؤال عند سائله ويظهر أنّ هناك ألف سؤال وسؤال ومن الجواب عن كلّ مسألة ألف جواب وجواب.. يسأل نفسه فتجيبه:

»حـبيب« مـازال فـي عينيك أسئلة
تـبدو... وتـنسى حـكاياها فـتنتقب

ومـاتـزال بـحـلقي ألـف مـبكيةٍ
مـن رهبة البوح تستحيي وتضطرب

يـكـفيك أن عـدانـا أهـدروا دمـنا
ونـحن مـن دمـنا نـحسو ونـحتلب


ويبقي البردوني على بارقة أمل في العروبة أن تعود يوما:

لـكنها رغـم بـخل الغيث ما برحت
حبلى وفي بطنها (قحطان) أو(كرب)

وفـي أسـى مـقلتيها يـغتلي (يمن)
ثـان كـحلم الـصبا... ينأى ويقترب

سـحائب الـغزو تـشوينا وتـحجبنا
يـوماً سـتحبل مـن إرعادنا السحب؟

ألا تـرى يـا »أبـا تـمام« بـارقنا
(إن الـسماء تـرجى حـين تحتجب)


أمّا الآن، فأترك المجال لريشة رجل من العراق يصف هذه القصيدة العصماء بما شاء له الوصف ويعبر عنها وعن واقعها بعد نيف وثلاثين سنة وكيف أن هذا الرجل العراقي العربي الشهم الغيور يصف البردوني بلسانه بأوصاف لم يجريها على مواطنه الشاعر العملاق الجواهري.

أترككم مع الأخ العزيز نزار خضير العبادي من العراق ومقالته الباسلة:

"ليت بغداد سألتك قبل أن ترحل"

ليتها سألتك قبل أن ترحل.. وماذا بعد- ياسيدي؟ فما أظن سؤالها (يدميك حياءً)، وقد باتت "صنعاء" ثملى تسامر زهو وحدتها، وأمست "بغداد" تتجرع زعاف الغزو، وتنام صغارها على آرائك (السل والجرب)، ثم يفيقها الوهن لتصطف تحت سارية المحتل منشدة بمليء حناجرها:
أدهى من الجهل علم يطمئن إلى
أنصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا
قالوا: هم البشر الأرقى وما أكلوا
شيئاً.. كما أكلوا الإنسان أو شربوا

ثلاثة عقود مرت مذ أن وقفت على ضفاف "دجلة" تتلو على الأمة غد أجيالها وتنعي حال العروبة وتنتحب:
عروبة اليوم أخرى لا ينم على
وجودها اسم ولا لون.. ولا لقب

وما كنا حينها لنعلم أنك كنت تقرأ وجوهنا بلا نظر، وتكتب بؤس اليوم بلا قلم، وتستنطق التاريخ من على ناصية "المربد"، فلا تسمع غير ارتجاعات وقع أقدام "العلوج" زاحفة عبر الحدود لوصم عار أمة تغابت سياساتها بلا عقل ولا وعي.. فما كان يدريك- يا سيدي- أنهم عادوا وكيف هي الهزيمة أو النصر!
اليوم عادت علوج (الروم) فاتحة
وموطن العرب المسلوب والسلب

وما كان يدريك بوجه الجبن بين الصفوف ولون الهزيمة إذ يحتدم الموقف فينا، فصرت تقول:
وقاتلت دوننا الأبواق صامتة
أما الرجال فماتوا.. ثم أو هربوا
حكامنا إن تصدوا للحمى اقتحموا
بإن تصدى له المستعمر إنسحبوا
هم يفرشون لجيش الغزو أعينهم
ويدعون وثوبا قبل أن يثبوا

يقيناً كنت وحدك المبصر في عالمنا والآخرون عماء، وكنت أصدق الشعراء نبأً وما دون شعرك غثاء.. لكننا وإن خنقنا (المربد) تصفيقاً لقصيدتك العصماء، وهان شعر "الجواهري" على شاعره فلم يكلف خاطره للإنشاء عناء.. إلا أننا ما حسبنا ما قلته صدقاً أو نبوغاً بل محض هراء، وخلجات شاعريتيه في ليل بؤسه مغترباً:
لكن أنا راحل في غير ما سفرٍ
رحلي دمي.. وطريقى الجمر والحطب
إذا امتطيت ركاباً للنوى فأنا
في داخلي.. امتطي ناري واغترب
قبري ومأساة ميلادي على كتفي
وحولي العدم المنفوخ والصخب

ها عدنا- يا سيدي- إلى الزمان الذي سبقتنا إليه منذ عقود، نلوذ بأوطان جدبة، وشعوب خائرة، نبتلع الموت كما الرغيف، ونصب الدماء كما أباريق الخمر التي يحتسيها (العلوج) على ضفتي الفرات.. عدنا لنسألك: كيف بلغك علم ما سيكون بين "واشنطن" وحكامنا.. ألست أنت القائل من قبل ثلاثة عقود:
الحاكمون و "واشنطن" حكومتهم
واللامعون.. وما شعوا ولا غربوا
القاتلون نبوغ الشعب ترضية
للمعتدين وما أجدتهم القرب
لهم شموخ "المثنى" ظاهراً ولهم
هوىً إلى "بابك الخرمي" ينتسب

فما بالك- يا سيدي- رحلت قبل أن تشهد مآثر عروبتنا في "بغداد"، إذ بات العراق لكل لصوص الدنيا مباحاً ينتهب، وأمسى شعبها- كما وصفك- (شبابة في شفاه الريح تنتحب).. لا أحسبك إلا سبقتنا للحديث عما جرى، وأدركت واقع يومنا حين أخبرتنا:
فاطفأت شهب (الميراج) أنجمنا
وشمسنا.. وتحدى نارها الحطب
وقاتلت دوننا الأبواق صامدة
أما الرجال فماتوا.. ثم أو هربوا

ليتها سألتك قبل أن ترحل.. وماذا بعد –يا سيدي-؟ فتربت على كتفي ولا تقول لي:
شرقت غربت من (والٍ) إلى (ملك)
يحثك الفقر.. أو يقتادك الطلب

فإنك لم تكن محض حزن يؤرق عروبتنا، بل كنت أيضاً بشراها في إشراقة غد قريب، وأمل جديد كان ينبعث من حناياك حين كان تعتصرك العين دمعاً على أنين (يمن متوجع)، فصرت تبشر:
لكنها رغم بخل الغيث ما برحت
حبلى وفي بطنها (قحطان) أو (كرب)
وفي أسى مقلتيها يغتلي "يمن"
بانٍ حلم الصبا.. ينأى ويقترب

فياليت العراق بسط الأيام كلها لك "مربدا"، وحشد جماهيره على ربى "الموصل" تصفيقاً وهتافاً لألف قصيدة عصماء.. ويا ليتك عدت توقد جذوة الأمل في نفوسنا معتلياً (مربدنا)، مرتلاً علينا:
سحائب الغزو تشوينا وتحجبنا
يوماً ستحبل من إرعادنا السحب
ألا ترى يا "أبا تمام" بارقنا
أن السماء ترجى حين تحتجب

يقيناً حينها لن يتردد (الجواهري) في أن يجيبك من ثراه: "حسبي من المهرجان كله ما قاله شاعر اليمن الكبير الأستاذ عبدالله البردوني": فأي فحول الشعر يستطيب نطقاً إذ تستنطق الفصاحة..!



مـا أصدق السيف! إن لم ينضه الكذب = وأكـذب السيف إن لم يصدق الغضب

بـيض الـصفائح أهـدى حين تحملها = أيـد إذا غـلبت يـعلو بـها الـغلب

وأقـبح الـنصر... نصر الأقوياء بلا = فهم.. سوى فهم كم باعوا... وكم كسبوا

أدهـى مـن الـجهل علم يطمئن إلى = أنـصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا

قـالوا: هـم الـبشر الأرقى وما أكلوا = شـيئاً.. كـما أكلوا الإنسان أو شربوا

مـاذا جـرى... يـا أبا تمام تسألني؟ = عفواً سأروي.. ولا تسأل.. وما السبب

يـدمي الـسؤال حـياءً حـين نـسأله = كـيف احتفت بالعدى (حيفا) أو (النقب)

مـن ذا يـلبي؟ أمـا إصـرار معتصم؟ = كلا وأخزى من (الأفشين) مـا صلبوا

الـيوم عـادت عـلوج (الروم) فاتحة = ومـوطنُ الـعَرَبِ الـمسلوب والسلب

مـاذا فـعلنا؟ غـضبنا كـالرجال ولم = نـصدُق.. وقـد صدق التنجيم والكتب

فـأطفأت شـهب (الـميراج) أنـجمنا = وشـمسنا... وتـحدى نـارها الحطب

وقـاتـلت دونـنا الأبـواق صـامدة = أمـا الـرجال فـماتوا... ثَمّ أو هربوا

حـكامنا إن تـصدوا لـلحمى اقتحموا = وإن تـصدى لـه الـمستعمر انسحبوا

هـم يـفرشون لـجيش الغزو أعينهم = ويـدعـون وثـوبـاً قـبل أن يـثبوا

الـحاكمون و»واشـنطن« حـكومتهم = والـلامعون.. ومـا شـعّوا ولا غربوا

الـقـاتلون نـبوغ الـشعب تـرضيةً = لـلـمعتدين ومــا أجـدتهم الـقُرَب

لـهم شموخ (المثنى) ظـاهراً ولهم = هـوىً إلـى »بـابك الخرمي« ينتسب

مـاذا تـرى يـا (أبا تمام) هل كذبت = أحـسابنا؟ أو تـناسى عـرقه الذهب؟

عـروبة الـيوم أخـرى لا يـنم على = وجـودها اسـم ولا لـون ولا لـقب

تـسـعون ألـفاً (لـعمورية) اتـقدوا = ولـلـمنجم قـالـوا: إنـنـا الـشهب

قـبل: انتظار قطاف الكرم ما انتظروا = نـضج الـعناقيد لـكن قـبلها التهبوا

والـيوم تـسعون مـليوناً ومـا بلغوا = نـضجاً وقـد عصر الزيتون والعنب

تـنسى الـرؤوس العوالي نار نخوتها = إذا امـتـطاها إلـى أسـياده الـذئب

(حـبيب) وافـيت من صنعاء يحملني = نـسر وخـلف ضلوعي يلهث العرب

مـاذا أحـدث عـن صـنعاء يا أبتي؟ = مـليحة عـاشقاها: الـسل والـجرب

مـاتت بصندوق »وضـاح«بلا ثمن = ولـم يمت في حشاها العشق والطرب

كـانت تـراقب صبح البعث فانبعثت = فـي الـحلم ثـم ارتمت تغفو وترتقب

لـكنها رغـم بـخل الغيث ما برحت = حبلى وفي بطنها »قحطان« أو »كرب«

وفـي أسـى مـقلتيها يـغتلي »يمن« = ثـان كـحلم الـصبا... ينأى ويقترب

»حـبيب« تسأل عن حالي وكيف أنا؟ = شـبابة فـي شـفاه الـريح تـنتحب

كـانت بـلادك (رحلاً)، ظهر (ناجية) = أمـا بـلادي فـلا ظـهر ولا غـبب

أرعـيت كـل جـديب لـحم راحـلة = كـانت رعـته ومـاء الروض ينسكب

ورحـت مـن سـفر مضن إلى سفر = أضـنى لأن طـريق الـراحة التعب

لـكن أنـا راحـل فـي غـير ما سفر = رحلي دمي... وطريقي الجمر والحطب

إذا امـتـطيت ركـاباً لـلنوى فـأنا = فـي داخـلي... أمتطي ناري واغترب

قـبري ومـأساة مـيلادي عـلى كتفي = وحـولي الـعدم الـمنفوخ والـصخب

»حـبيب« هـذا صـداك اليوم أنشده = لـكن لـماذا تـرى وجـهي وتكتئب؟

مـاذا؟ أتعجب من شيبي على صغري؟ = إنـي ولـدت عجوزاً.. كيف تعتجب؟

والـيوم أذوي وطـيش الـفن يعزفني = والأربـعـون عـلى خـدّي تـلتهب

كـذا إذا ابـيض إيـناع الـحياة على = وجـه الأديـب أضـاء الفكر والأدب

وأنـت مـن شبت قبل الأربعين على = نـار (الـحماسة) تـجلوها وتـنتخب

وتـجتدي كـل لـص مـترف هـبة = وأنـت تـعطيه شـعراً فـوق ما يهب

شـرّقت غـرّبت من (والٍ) إلى (ملك) = يـحثك الـفقر... أو يـقتادك الـطلب

طوفت حتى وصلت (الموصل) انطفأت = فـيك الأمـاني ولـم يـشبع لها أرب

لـكـن مـوت الـمجيد الـفذ يـبدأه = ولادة مـن صـباها تـرضع الـحقب

»حـبيب« مـازال فـي عينيك أسئلة = تـبدو... وتـنسى حـكاياها فـتنتقب

ومـاتـزال بـحـلقي ألـف مـبكيةٍ = مـن رهبة البوح تستحيي وتضطرب

يـكـفيك أن عـدانـا أهـدروا دمـنا = ونـحن مـن دمـنا نـحسو ونـحتلب

سـحائب الـغزو تـشوينا وتـحجبنا = يـوماً سـتحبل مـن إرعادنا السحب؟

ألا تـرى يـا »أبـا تـمام« بـارقنا = (إن الـسماء تـرجى حـين تحتجب)


قفل الباب الأول بحمد الله تعالى




- 2 -


فتح الباب الثاني بـسم الله تعالى:


وردة من دم المتنبي


الزمان: 1981
المكان: القاهرة ـ مصر
المناسبة: جائزة (حافظ و شوقي) في إمارة الأدب والثقافة والشعر العربي
الحضور: جميع الشعراء في الوطن العربي الكبير والنقاد وجمع هائل من المسئولين والمثقفين والصحفيين ورجال العلم والأعمال.


ومن بعد مسيرة عشرة أعوام على قصيدة "أبو تمام وعروبة اليوم" حطّ البردوني رحاله في مصر ليلقي قصيدته "وردة من دم المتنبي".. هناك في العراق لبست قصيدته حلّة أبو تمام وهنا في مصر تلبس حلّة المتنبي..

عقد من الزمن مضي ويعود البردوني ليؤكد تربعه على عرش الإمارة في الأدب والشعر العربي فيستحقّ جائزة جرش الكبرى في الأردن.. ولمّا زاد الجدل واللغط حول استحقاقه الجائزة وصل في نفس العام 1981 إلى مصر لكي يؤكد أهليته واستحقاقه وكان له ما أراد حيث نال في هذه المرّة جائزة شوقي وحافظ في القاهرة من أرض مصر الكنانة.


قاعة المعزّ في مصر لا تشابه قاعة مربد في العراق.. هناك هرج ومرج وصخب ونظرات خاصة وعامة تلفها السخرية من الشاعر والجهل بالبردوني يسدّ كلّ الزوايا..
أمّا اليوم فالوضع مختلف تماما.. فشهرة البردوني من شهرة أبي تمام وسوف يزيده المتنبي شهرة على شهرته بعد حين..
اليوم القاعة في سكون تام والحاضرون من الوجوم وكأنّ على رؤوسهم الطير.
هم اليوم أمام حفيد امرؤ القيس وعنترة وحسّان بن ثابت وفارس من معد وكرب وقحطان وحمير ترجل عن صهوة جواده ليعتلي المنصّة.

قصيدة "وردة من دم المتنبي" أحدثت صدا كبيرا في ذلك الحين وحتى اليوم وكما جرت العادة عند البردوني فقد استمرت ثورته على العصر ورداءته وحكامه ومن بعض أبيات له حوتها القصيدة:

لقد أرادها البردوني بداية تلجم الأفواه وتخرس الألسنة فتتوجه إليه الأذان سامعة صاغية والعيون طائعة ناظرة والقلوب راجفة والنفوس شاهدة.

مِن تلظّي لموعه كاد يعمى
كاد من شهرة اسمه لا يُسمّى


يستدعي متنبي عصره لكي يطلعه على جور الحاكمين وما استحقوا:

من تداجي يا ابن الحسين اداجي
أوجها تستحق ركلا ولطما

كم إلى كم أقول ما لست أعني؟
وإلى كم أبني على الوهم وهما؟ 


ويوحل في الكازينوهات والمراقص وأحضان بنات الليل والهوى يشكو للمتنبي الفساد وزمرته:

ياابنة اليل كيف جئتِ وعندي
مِن ضواري الزمان مليون دهما؟

الليالي - كما علمتُ – شكولٌ
لم تَزدني بها المرارات عِلما


ويخاطب المتنبي متسائلا فيما إذا ارتدت عليه نقود من امتدح بنظم أو كانت الرموز سيوفا تحدّت الظلم.

آه يابن الحسين: ماذا ترجِّي؟
هل نثير النقود يرتد نظما؟

بخفيف الرموز ترمي سيوفاً
عارياتٍ: فهل تحدَّيتَ ظلما؟


ويساءل المتنبي نادبا الزمان وندماءه:

هل أقول الزمان أضحى نُذيلاً؟
ربما قلت لي: متى كان شهما؟

هل أُسمِّي حكم الندامى سقوطاً؟
ربما قلت لي: متى كان فخما؟


ومن جور الطغاة يصلي ويدعي بالسؤال:

هل طغاة الورى يموتون زعماً
- يا منايا - كما يعيشون زعما؟

أين حتمية الزمان؟ لماذا
لايرى للتحول اليوم حتما؟

هل يجاري، وفي حناياه نفسٌ
أنِفَت أن تحلَّ طيناً مُحمَّى؟


ويعاوده الحنين إلى العراق وبغداد فيسأل:

كيف يرجو أكواز بغداد نهرٌ
قلُبه وحدهُ مِن البحر أطمى؟

كان أعلى مِن (قاسيون) جبيناً
مِن نخيل العراق أجنى وأنمى

للبراكين كان أُمّاً: أيُمسي
لركام الركاد خالاً وعمّا؟


ولسوريا وحلب في قلبه ما للعراق وبغداد، فمن ذا يجيب على سؤاله؟ .. من ذا الذي يجاوب؟

حلبٌ ياحنين، ياقلب تدعو
لا أُلبِّي، ياموطن القلب مهما..

أشتهي عالماً سوى ذا، زماناً
غير هذا، وغير ذا الحكم حكما


يروم قتل روحه ودفن جسمه البالي ولكن.. هل للروح والجسم من بعث جديد تستطيب له نفسه؟

أين أرمي روحي وجسمي، وأبني
لي، كما أستطيب روحاً وجسما؟

خفِّف الصوت للعدا ألف سمعٍ
هل أُلاقي فدامة القتل فدما؟


ويسترسل في محادثته مع المتنبي:

يا أبا الطيِّب اتئد: قل لغيري
اِتخذ حطيةً على مَن وممَّا؟

كلهم (ضبَّةٌ) فهذا قناعٌ
ذاك وجهٌ سمَّى تواريه حزما



قصيدة ( وردة.. من دم المتنبي )


مِن تلظّي لموعه كاد يعمى = كاد من شهرة اسمه لايُسمّى
جاء من نفسه إليها وحيداً = رامياً أصلهُ غباراً ورسما
حاملاً عمره بكفيه رمحاً = ناقشاً نهجه على القلب وشما
خالعاً ذاته لريح الفيافي = ملحقاً بالملوك والدهر وصما
اِرتضاها أُبوَّة السيف طفلاً = أرضعتهُ حقيقة الموت حُلما
بالمنايا أردى المنايا ليحيا = وإلى الأعظم احتذى كل عظمى
عسكر الجن والنبوءات فيهِ = وإلى سيف (قُرمطٍ) كان يُنمى
البراكين أُمُّه، صار أُمّاً = للبراكين، للإرادات عَزْما
(كم إلى كم، تفنى الجيوش افتداءاً = لقرودٍ يفنون لثماً وضمّاً)
ما اسم هذا الغلام يابنَ مُعاذٍ؟ = اسمه (لا): مِن أين هذا المسمى؟
إنه أخطر الصعاليك طُرّاً = إنه يعشق الخطورات جمّا
فيه صاحت إدانة العصر: أضحى = حكَماً فوق حاكميهِ وخصما
قيل: أردَوه، قيل: مات احتمالاً = قيل: همّت به المنايا، وهمّا
قيل: كان الردى لديه حصاناً = يمتطيه برقاً ويُبريه سهما
الغرابات عنه قصّت فصولاً = كالتي أرّخت (جديساً) و(طمساً)
أورقَ الحبر كالربى في يديهِ = أطلعَت كل ربوةٍ منه نجما
العناقيد غنّت الكاس عنهُ = الندى باسمه إلى الشمس أوما
هل سيختار ثروة واتساخا؟ = أم ترى يرتضي نقاء وعدما؟
ليس يدري، للفقر وجه قميء = واحتيال الغنى من الفقر أقمى
ربما ينتخي مليا، وحينا = ينحني، كي يصيب كيفاً وكما
عندما يستحيل كل اختيار = سوف تختاره الضرورات رغما
ليت أن الفتى - كما قيل - صخر = لو بوسعي ما كنت لحماً وعظما
هل سأعلو فوق الهبات كميا؟ = جبروت الهبات أعلى وأكمى
أنعلوا خيله نظاراً ليفنى = سيد الفقر تحت أذيال نعمى
(غير ذا الموت ابتغي، من يريني = غيره لم أجد لذا الموت طعما
أعشق الموت ساخناً، يحتسيني = فائراً، أحتسيه جمراً وفحما
أرتعيه، أحسه في نيوبي = يرتعيني، أحس نهشاً وقضما)
وجدوا القتيل بالدنانير أخفى = للنوايا، أمضى من السيف حسما
ناعم الذبح، لا يعي أي راء = أين أدمى، ولا يرى كيف أصمى
يشتري مصرع النفوس الغوالي = مثلما يشتري نبيذاً ولحما
يدخل المرس من يديه وينفي = جسمه من أديمه وهو مغمى
يتبدّى مبغى هنا، ثم يبدو = معبداً هاهنا، وبنكين ثَمّا
يحملُ السوق تحت إبطيه، يمشي = بايعاً شارياً، نعيّاً ويُتما
مَن تُداجي يابن الحسين؟ (أُداجي = أوجهاً تستحق ركلاً ولطما
كم إلى كم أقول مالست أعني؟ = وإلى كم أبني على الوهم وهما؟
تقتضيني هذي الجذوع اقتلاعاً = أقتضيها تلك المقاصير هدما)
يبتدي يبتدي، يُداني وصولاً = ينتهي ينتهي، ويدنو ولَمّا
هل يرى ما ترى مقلتاهُ؟ = (هل يُسمِّي تورّم الجوف شحما)؟
في يديهِ لكل سِينَين جيمٌ = وهو ينشَقّ: بين ماذا وعّما
لايريد الذي يوافيه، يهوى = أعنف الاختيار: إمَّا، وأمَّا
كل أحبابهِ سيوفٌ وخيلٌ = ووصيفاتهُ: أفاعٍ وحمّى
(ياابنة اليل كيف جئتِ وعندي = مِن ضواري الزمان مليون دهما؟
الليالي -كما علمتُ – شكولٌ = لم تَزدني بها المرارات عِلما)
آه يابن الحسين: ماذا ترجِّي؟ = هل نثير النقود يرتد نظما؟
بخفيف الرموز ترمي سيوفاً = عارياتٍ: فهل تحدَّيتَ ظلما؟
كيف تدمى ولاترى لنجيعٍ = حمرةٌ تنهمي رفيفاً وشما؟
كان يهمي النبات والغيث طلٌّ = فلماذا يجفُّ والغيث أهمى؟
ألأنَّ الخصاة أضحوا ملوكاً = زادت الحادثات، وازددن عُقما؟
(هل أقول الزمان أضحى نُذيلاً؟ = ربما قلت لي: متى كان شهما؟
(هل أُسمِّي حكم الندامى سقوطاً؟ = ربما قلت لي: متى كان فخما؟
أين ألقى الخطورة البكر وحدي؟ = لست أرضى الحوادث الشمط أُمّا
أبتغي ياسيوف، أمضى وأهوى = أسهماً مِن سهام (كافور) أرمى)
شاخ في نعله الطريق، وتبدو = كل شيخوخةٍ، صِباً مدلهمّا
كلما انهار قاتلٌ، قام أخزى = كان يستخلف الذميمُ الأذمّا
هل طغاة الورى يموتون زعماً = - يا منايا - كما يعيشون زعما؟
أين حتمية الزمان؟ لماذا = لا يرى للتحول اليوم حتما؟
هل يجاري، وفي حناياه نفسٌ = أنِفَت أن تحلَّ طيناً مُحمَّى؟
(ساءلت كل بلدةٍ: أنت ماذا؟ = ما الذي تبتغي؟ أجلّ وأسمى
غير كفِّي للكأس، غير فؤادي = لعبةٌ في بنان »لَميا« و»ألمى«)
كيف يرجو أكواز بغداد نهرٌ = قلُبه وحدهُ مِن البحر أطمى؟
كان أعلى مِن (قاسيون) جبيناً = مِن نخيل العراق أجنى وأنمى
للبراكين كان أُمّاً: أيُمسي = لركام الركاد خالاً وعمّا؟
(حلبٌ ياحنين، ياقلب تدعو = لا أُلبِّي، ياموطن القلب مهما..
أشتهي عالماً سوى ذا، زماناً = غير هذا، وغير ذا الحكم حكما
أين أرمي روحي وجسمي، وأبني = لي، كما أستطيب روحاً وجسما؟)
خفِّفف الصوت للعدا ألف سمعٍ = هل أُلاقي فدامة القتل فدما؟
يا أبا الطيِّب اتئد: قل لغيري = اِتخذ حطيةً على مَن وممَّا؟
كلهم (ضبَّةٌ) فهذا قناعٌ = ذاك وجهٌ سمَّى تواريه حزما
(ألطريق الذي تخيَّرتُ أبدى = وجه إتمامهِ، أُريد الأتَّما
متُّ غمّاً: يادرب »شيراز« أورق = مِن دمي كي يرفَّ مَن مات غمَّا
وانفتح وردةَ إلى الريح تُفضي = عن عدوِّ الْجَمام كيف استجمَّا)
أصبَحت دون رجله الأرض، أضحى = دون إطلاق برقه، كلُّ مرمى
هل يصافي؟ شتى وجوه التصافي = للتعادي وجهٌ وإن كان جهما
أين لاقى مودّةً غير أفعى؟ = هل تجلَّى ابتسامةً غير شرمى؟
أهلُهُ كل جذوةٍ، كل برقٍ = كل قفرٍ في قلبه، وجه »سلمى«
تنمحي كلها الأقاليم فيهِ = ينمحي حجمُه، ليزداد حجما
تحت أضلاعه »ظفارٌ« و»رضوى« = وعلى ظهرهِ »أثينا« و»روما«
يغتلي في قذاله »الكرخ« يرنو = مِن تقاطيع وجهه »باب توما«
التعاريف تجتليه وتغضي = التناكير عنه ترتدّ كلمى
كلهم يأكلونَهُ وهو طاوٍ = كلهم يشربونهُ وهو أظما
كلهم لايرونهُ وهو لفحٌ = تحت أجفانهم مِن الجمر أحمى
حاولوا، حصرهُ، فأذكواiiحصاراً = في حناياهمو يُدمِّي ويَدمى
جرَّب الموت محوهُ ذات يومٍ = وإلى اليوم يقتل الموت فهما



قفل الباب الثاني بحمد الله تعالى.




- 3 -


فتح الباب الثالث بـسم الله تعالى:


نبوءات البردوني


كما سلف لنا الذكر عن فراسة المؤمن في وجه البردوني المنير.. هنا نبوءة أخرى له يتوعد بها إمام اليمن في الشمال و الاستعمار البريطاني في الجنوب اليمني المحتل بالزوال آجلا غير عاجل.

في مناسبة عيد الجلوس وهي مناسبة تقام حتى اليوم في البلدان. حيث أن جلوس العرش عند السلاطين أو ذكرى تولي الحكم عند الرؤساء من الأعياد الرسمية.. أنظروا إلى هدية البردوني التي قدمها إلى الإمام السيف أحمد (إمام اليمن) الذي كانت جميع الناس تخشى بأسه وتخاف بطشه حتى أشيع عنه من جبروته وطغيانه بأنّ الجنّ أيضا تخافه وتخشاه.
فإذا بهذا الضعيف السقيم الكفيف المولود وسط الطاعون والجدري والملاريا يطلب من الطاغية أن يعر البلاد مسمعه ويخبره كيف أن عيده يمضي ويأتي والشعب المطحون باق تحت سحق مطحنته:

عيد الجلوس أعر بلادك مسمعا ** تسألك أين هناؤها ؟ هل يوجد ؟
تمضي و تأتي و البلاد و أهلها ** في ناظريك كما عهدت و تعهد
يا عيد حدّث شعبك متى يروي ؟ ** و هل يروي و أين المورد ؟
حدّث ففي فمك الضحوك بشارة ** وطنيّة ؛ و على جبينك موعد
فيم السكوت و نصف شعبك ها هنا ** يشقى .. و نصف في الشعوب مشرّد
يا عيد هذا الشعب ، ذلّ نبوغه ** و طوى نوابغه السكون الأسود
ضاعت رجال فيه كأنّها ** حلم يبعثره الدجى و يبدّد


هل رأيتم يا سادتي أو سمعتم بتهنئة يقدمها المحكوم لحاكمه بمناسبة حكمه كتهنئة البردوني لحاكمه.. ولم يكتفي بذلك ولم تقف حدود البردوني عند حدّ بل ذهب بعيدا حتى أن بلغ التهديد والوعيد:

للشعب يوم تستثير جراحه ** فيه و يقذف بالرقود المرقد
و لقد تراه في السكينة .. إنّما ** خلف السكينة غضبة و تمرّد
تحت الرماد شرارة مشبوبة ** و من الشرارة شعلة و توقد


ويعرج بعد ذلك على المستعمر البريطاني في الجانب الآخر ويحذره وينذره بمصير أحمر من نار الجحيم وأسود من الليل البهيم:

لا ، ألم يلم ثأر الجنوب و جرحه ** كالنار يبرق في القلوب و يرعد
لا ، لو يلم شعب ... يحرّق صدره ** جرح على لهب العذاب مسّهد
شعب يريد و لا ينال كأنّه ** ممّا يكابد في الجحيم .. مقيّد
أهلا بعاصفة الحوادث ، أنّها ** في الحيّ أنفاس الحياة تردّد
لو هزّت الأحداث صخرا جلمدا ** لدوى و أرعد باللهيب الجلمد
بين الجنوب و بين سارق أرضه ** يوم تؤرّخه الدما و تخلّد !


وبكل فخر يقدم البردوني الشعب ويعرّف عنه ويذكّر به، وكأنّه ينقل من الأبراج ويقرأ في الطالع، فنظرته في الخمسينيات غيرها في التسعينيات حيث عرف هناك من الحماسة بقدر ما عرف فيما بعد من الخذلان:

الشعب أقوى من مدافع ظالم ** و أشدّ من بأس الحديد و أجلد
و الحقّ يثني الجيش و هو عرمرم ** و يفلّ حدّ السيف و هو مهنّد
لا أمهل الموت الجبان و لا نجا ** منه ؛ و عاش الثائر المستشهد
يا ويح شرذمة المظالم عندما ** تطوي ستائرها و يفضحها الغد !
و غدا سيدري المجد أنّا أمّة ** يمنيّة شمّا ؛ و شعب أمجد
و ستعرف الدنيا و تعرف أنّه ** شعب على سحق الطغاة معوّد
فليكتب المستعمرون بغيظهم ** و ليخجلوا ، و ليخسأ المستعبد


وبقي البردوني موجود في عرش سجنه وزال عن الوجود عرش الإمامة والجهل والمستعمر المحتل.
واستمر البردوني، حتى بعد زوال أعداءه وأعداء وطنه وشعبه، قائما على نهجه لا يميل ولا يحيد ولـكن هذه المرّة مع الحكام الجدد.. ما ترك أحدا في حاله مذ حكم الرئيس عبد الرحمـن الارياني حتّى حكم الرئيس علي عبد الله صالح مرورا بحكم الرئيس إبراهيم الحمدي وحكم الرئيس أحمد حسين الغشمي.

وهنا يذكر لنا الأخ العزيز الصحفي عبد الباري طاهر عن موقف حصل بوجود نخبة من المثقفين العرب أثناء حضور مؤتمر صحفي للرئيس الغشمي وقد كان من جملة الحضور الشاعر عبد الله البردوني والشاعر عبد الوهاب البيّاتي حيث يقول الأخ عبد الباري طاهر:

وأذكر أنه بعد مقتل الحمدي أُجري لقاء مع المقدم أحمد حسين الغشمي وكان البردوني والبياتي ضمن عدد كبير من الأدباء والمثقفين موجودين.. وقد سخر البردوني من الحاكم الجديد بقراءة أبيات من الشعر الشعبي للخفنجي فقد جعل من شخصية الحاكم أشبه ببرهان الدين قراقوش في كتاب أبن مماتي الشهير .. ويومها أندهش البياتي من قدرة اليمنيين على السخرية من حكامهم...

ويشاء القدر أن يتوفى البياتي في نفس الشهر من نفس العام الذي توفي فيه صديقه البردوني.

والآن، إلى نظرته لواقع أمته يلخصها لسان البردوني أثناء حوار صحفي أداره معه الأخ العزيز على المقري تحت عنوان: وجها لوجه مع عبد الله البردوني وقد نشرتها مجلة العربي:

سؤال الأخ المقري: صار الواقع العربي يكرّس واقع القطرية، بما تحمله من تفكك للعرب مما أصبحت معه مقولات العروبة والقومية ضرباً من وهم، كيف ترى مستقبل العرب في ضوء هذا الواقع وأنت أحد المهتمين بقضاياه الفكرية ؟

جواب الشاعر البردوني: في أشد تفكك، وفي خروج سافر عن القومية العربية وعن أمة العرب، وعن تجربة الوحدة وعن عمل التوحيد، وقد أصبحت الفنون الإعلامية شعبية، وكل شيء فيها يتعلق برئيس الدولة أو رئيس الجمهورية وكأنه فرعون ذو الأوتاد.
هناك تجزئة وأنا أتوقع أن هذه التجزئة سوف تتحوّل إلى أسلحة إسرائيلية ضد الشعوب التي لها مواقف، وأظن أن سوريا ستضرب من إسرائيل بتسهيل من دول عربية.


هنا نبوءة طلعت علينا وأرجو أن لا تتحقّق هذه المرّة بإذن الله تعالى، ولـكن ألم تتحقّق تلك النبوءة مع استبدال سوريا بالعراق واتفاق إسرائيل مع أميركا وبتسهيل من دول عربية كما توقع البردوني؟ بلـى!


عادت الوحدة إلى اليمن بوصل شماله بجنوبه وتمّ الزفاف في يوم 22/5/1990، وبعد قيام الوحدة مباشرة فإذا بمتنبي عصره شاعرنا القدير عبد الله البردوني يتنبأ بحدث مهم سوف يقع بعد أربعة أعوام ونيف، وذلك في أحد أبيات قصيدة من قصائده:

يا بنت أم الضمد قولي لنا
أي علي سوف يخصي علي 


ويقصد البردوني بالعليين: الرئيس علي عبد الله صالح و الرئيس علي سالم البيض.
وعلى القارئ معرفة كيف توقع ذلك البردوني في وقت كان الجمع بمسرة وفرحة واستبشار.. ثم ينقلب الحال وبالفعل يقوم الأول بإقصاء الثاني.



قفل الباب الثالث بحمد الله تعالى




- 4 -


فتح الباب الرابع بـسم الله تعالى


الغزو من الداخل


كما وقد تعرفنا على سخريات البردوني من الحكام بالرغم ممّا ذاقه منهم من سجن وتعذيب وويلات حتّى أنّه لم تخلو قصيدة من قصائده من بيت أو بيتين أو أكثر يلبسه على ذا الحاكم أو ذاك وعندما قرأت له قصيدته ( الغزو من الداخل ) زادت دهشتي من جراءة البردوني وشجاعته .. أستعجب من هذا اللسان الجريء وهذا القلب الشجاع الذي ما عرف الخوف طريقا إلى هذا أو ذاك، وتذكرت دهشة وذهول الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي من قدرة اليمنيين على السخرية من حكامهم. وكيف يصف فيها الحكام في بلده وتمسحهم وتبركهم على أعتاب أبواب أمراء النفط بأن نعتهم بالفراشين ومساحين نعال، ليس فقط، الأمراء بل حرّاس أبوابهم

كعادته، وكما جبلت عليه فطرته، فقد جاءت بداية القصيدة فظيعة كما وصفها: (فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري) ثم يشقّ الدرب بفانوسه ليضئ لشعبه وللأجيال الغزو الفكري والمادي للمستعمر الغازي المحتل وكيف دخوله عليهم بكلّ لبوس ولبوس.
استمعوا له هنا يدقّ نواقيس الخطر بالنذر والحذر.. طعّم قصيدته بكلّ مفردات الحداثة من سجائر وويسكي و...

فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري
وهل تدرين يا صنعاء
من المستعمر السري

غزاة لا أشاهدهم
وسيف الغزو في صدري
فقد يأتون تبغا في
سجائر لونها يغري

وفي صدقات وحشي
يؤنسن وجهه الصخري
وفي أهداب أنثى في
مناديل الهوى القهري

وفي سروال أستاذ
وتحت عمامة المقري
وفي أقراص منع الحمل
وفي أنبوبة الحبر

وفي حرية الغثيان
وفي عبثية العمر
وفي عَود احتلال الأمس
في تشكيله العصر

وفي قنينة الوسكي
وفي قارورة العطر
ويستخفون في جلدي
وينسلون من شعري

وفوق وجوههم وجهي
وتحت خيولهم ظهري
غزاة اليوم كالطاعون
يخفى وهو يستشري

يحجر مولد الآتي
يوشي الحاضر المزري
فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري


رأينا كيف عدّد لنا البردوني كافة وسائل الغازي المعتدى ووصفه بالطاعون المستشري وسط الناس حتى باتت وسائله في داخل جلود الناس وفي شعر رأسها ولا تقوى الأمة منها فكاكا ولا تحررا وكيف قد جعل هؤلاء المستعمرون المحتلون من ظهور الشعب مركبا ليس تحت أقدامهم بل تحت حوافر خيولهم. (فات البردوني هنا إضافة ذكر أنواع السيارات من رانج وبي ام ومرسيدس وفورد وجيمس).

ويعرّج البردوني إلى اليمن وشعبه وحكامه بمطلع بيت فاق كلّ وصف وخيال (يمانيون في المنفى و منفيون في اليمن) ويسرد حال اليمن وأحوال شعبه وتحول الحال من حال مستعمر غازي إلى حال مستعمر وطني:

يمانيون في المنفى
ومنفيون في اليمن
جنوبيون في ( صنعاء)
شماليون في ( عدن )

وكالأعمام والأخوال
في الإصرار والوهن
خطى أكتوبر انقلبت
حزيرانية الكفن

ترقى العار من بيع
إلى بيع بلا كفن
ومن مستعمر غاز
إلى مستعمر وطني

لماذا نحن يا مربي
ويا منفى بلا سكن
بلا حلم بلا ذكرى
بلا سلوى بلا حزن ؟

يمانيون يا( أروى )
ويا ( سيف بن ذي يزن )
ولكنا برغمكما
بلا يُمن بلا يمن

بلا ماض بلا آت
بلا سر بلا علن
أيا ( صنعاء ) متى تأتين؟
من تابوتك العفن

أتسألني أتدري ؟
فات قبل مجيئه زمني
متى آتي ألا تدري
إلى أين انثنت سفني

لقد عادت من الآتي
إلى تاريخها الوثني
فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري


وجاء الآن الدور على الحاكم وأسياده من واشنطن إلى الخليج.. هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم مسئولون في الوطن فإذا بالبردوني ينعتهم بالفرّاشين على أبواب أسيادهم وأمراءهم (ومسئولون في صنعاء و فراشون في بابك) وكيف يركعون على أقدام مواليهم وكيف ألّهوا سيدهم وأميرهم وكيف ساقوا الشعب إلى الأبواب ويمسحون أحذية الحراس لدرجة وصفهم بالذيول والأذناب وبقمة السخرية يمنحهم البردوني ويقلدهم وسام "خير الأذناب"

شعاري اليوم يا مولاي
نحن نبات إخصابك
لأن غناك أركعنا
على أقدام أحبابك

فألًهناك قلن : الشمس
من أقباس أحسابك
فنم يا ( بابك الخرمي )
على ( بلقيس ) يا ( بابك )

ذوائبها سرير هواك
وبعض ذيول أربابك
وبسم الله جل الله
نحسو كأس أنخابك

أمير النفط نحن يداك
نحن أحد أنيابك
ونحن القادة العطشى
إلى فضلات أكوابك

ومسئولون في ( صنعاء )
وفراشون في بابك
ومن دمنا على دمنا
تموقع جيش إرهابك

لقد جئنا نجر الشعب
في أعتاب أعتابك
ونأتي كل ما تهوى
نمسح نعل حجابك

ونستجديك ألقابا
نتوجها بألقابك
فمرنا كيفما شاءت
نوايا ليل سردابك

نعم يا سيد الأذناب
إنا خير أذنابك
فظيع جهل ما يجري
وأفظع من أن تدري



لم يترك البردوني جبلا إلا صعده ولا بحرا إلاّ خاضه ولديه من وصفات العلاج لكلّ سقم ومرض أصاب الحاكم أو البلد أو الشعب سواء بسواء وكذلك الأجيال وشباب الأمة والخنفس منهم الذين ألسعهم بسياط تترك أثارها على ظهورهم ومن يرجع إلى قصائده سوف يقرأ أشعاره في شباب وصبايا لميس و مهند وستار أكاديمي وسوبر ستار و...


فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري = وهل تدرين يا صنعاء من المستعمر السري
غزاة لا أشاهدهم وسيف الغزو في صدري = فقد يأتون تبغا في سجائر لونها يغري
وفي صدقات وحشي يؤنسن وجهه الصخري = وفي أهداب أنثى في مناديل الهوى القهري
وفي سروال أستاذ وتحت عمامة المقري = وفي أقراص منع الحمل وفي أنبوبة الحبر
وفي حرية الغثيان وفي عبثية العمر = وفي عَود احتلال الأمس في تشكيله العصر
وفي قنينة الوسكي وفي قارورة العطر = ويستخفون في جلدي وينسلون من شعري
وفوق وجوههم وجهي ونحت خيولهم ظهري = غزاة اليوم كالطاعون يخفى وهو يستشري
يحجر مولد الآتي يوشي الحاضر المزري = فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري

يمانيون في المنفى ومنفيون في اليمن = جنوبيون في ( صنعاء )شماليون في ( عدن )
وكالأعمام والأخوال في الإصرار والوهن = خطى أكتوبر انقلبت حزيرانية الكفن
ترقى العار من بيع إلى بيع بلا كفن = ومن مستعمر غاز إلى مستعمر وطني
لماذا نحن يا مربي ويا منفى بلا سكن = بلا حلم بلا ذكرى بلا سلوى بلا حزن ؟
يمانيون يا( أروى )ويا ( سيف بن ذي يزن ) = ولكنا برغمكما بلا يُمن بلا يمن
بلا ماض بلا آت بلا سر بلا علن = أيا ( صنعاء ) متى تأتين ؟من تابوتك العفن
أتسألني أتدري ؟ فات قبل مجيئه زمني = متى آتي ألا تدري إلى أين انثنت سفني
لقد عادت من الآتي إلى تاريخها الوثني = فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري

شعاري اليوم يا مولاي نحن نبات إخصابك = لأن غناك أركعنا على أقدام أحبابك
فألًهناك قلن : الشمس من أقباس أحسابك = فنم يا (بابك الخرمي)على (بلقيس) يا (بابك)
ذوائبها سرير هواك وبعض ذيول أربابك = وبسم الله جل الله نحسو كأس أنخابك
أمير النفط نحن يداك نحن أحد أنيابك = ونحن القادة العطشى إلى فضلات أكوابك
ومسئولون في ( صنعاء )وفراشون في بابك = ومن دمنا على دمنا تموقع جيش إرهابك
لقد جئنا نجر الشعب في أعتاب أعتابك = ونأتي كل ما تهوى نمسح نعل حجابك
ونستجديك ألقابا نتوجها بألقابك = فمرنا كيفما شاءت نوايا ليل سردابك
نعم يا سيد الأذناب إنا خير أذنابك = فظيع جهل ما يجري وأفظع من أن تدري



قفل الباب الرابع بحمد الله تعالى




- 5 -


فتح الباب الخامس بسـم الله تعالى


قصيدة بشرى النبوءة


من أجمل قصائد البردوني التي يمتدح فيها سيّد المرسلين وسيّد الخلق أجمعين وسيّد ولد آدم مذ بداية الخليقة إلى يوم الدين
صلّ الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم..
حوت القصيدة كلّ بلاغة ومعنى وكلّ عبرة وأثر وكلّ حكمة ومثل..
يقف بين يديه صلّ الله عليه وسلّم يخاطبه ويحادثه ويشكو إليه حال أمته...
حتى في هذه القصيدة لم ينجو الحكام من لسانه البتار..
بل أن هنا من الصفع واللطم على وجوه الحاكمين الجائرين الكالحين ما لم يأتي البردوني بمثله من قبل ومن بعد..
عداوة لا تنتهي بين البردوني والحكام.

استمعوا إليه مخاطبا الهاشمي المصطفى طـه الرسول النبي العربي (روحي له الفداء) صلّ الله عليه وسلّم مستجيرا من سوء أعمالهم ويشكو فظائعهم:

يــا قـاتـل الـظـلم صـالـت هـاهنا وهـنا
فـظـايـع أيـــن مـنـها زنــدك الــواري

أرض الـجـنوب ديــاري وهــي مـهد أبـي
تــئـن مـــا بــيـن سـفـاح وسـمـسار

يــشـدهـا قــيــد ســجـان ويـنـهـشها
ســـوط ويـحـدوخـطاها صــوت خـمـار

تـعـطـي الـقـياد وزيــرا وهــو مـتـجر
بـجـوعـها فـهـو فـيـها الـبـايع الـشـاري

فـكـيـف لانــت لـجـلاد الـحـمى عــدن
وكــيـف ســاس حـمـاها غــدر فـجـار

وقـــادهــا زعـــمــاء لا يــبـررهـم
فــعــل وأقـوالـهم أقـــوال أبـــرار

أشــبـاه نــاس وخـيـرات الـبـلاد لـهـم
ووزنــهـم لا يــسـاوي ربـــع ديــنـار

ولا يـصـونـون عــنـد الــغـدر أنـفـسهم
فـهـل يـصـونون عـهـد الـصـحب والـجار

تـــرى شـخـوصـهم رسـمـيـة وتــرى
أطـمـاعهم فــي الـحـمى أطـمـاع تـجـار


وما لانت عصا البردوني ولا انكسرت حيث أراد تكسيرها عودا عودا على الظهور فاستزاد من شجره يحزم العيدان أعوادا وأعوادا وبكلّ ضراوة وقسوة ينزل على الظهور والرؤوس:

أكـــاد أســخـر مـنـهم ثــم تـضـحكني
دعــواهــم أنــهـم أصــحـاب أفــكـار

يـبـنـون بـالـظـلم دورا كـــي نـمـجدهم
ومـجـدهـم رجـــس أخــشـاب وأشـجـار

لا تـخـبـر الـشـعـب عـنـهـم إن أعـيـنه
تـــرى فـظـائعهم مــن خـلـف أسـتـار

الآكــلـون جـــراح الـشـعـب تـخـبـرنا
ثــيـابـهـم أنـــهــم آلات أشـــــرار

ثـيـابـهم رشـــوة تـنـبـي مـظـاهـرها
بــأنـهـا دمــــع أكــبـاد وأبــصـار

يــشــرون بــالـذل ألـقـابـا تـسـتـرهم
لـكـنـهـم يـسـتـرون الــعـار بـالـعـار

تـحـسـهم فــي يــد الـمـستعمرين كـمـا
تــحـس مـسـبـحة فــي كــف سـحـار



وهنا يغرف لنا البردوني من الحكم والأمثال غرفا فما صبت نطفا وإنّما انجرفت كالشلال جرفا.

ويــــل وويـــل لأعـــداء الــبـلاد إذا
ضــج الـسـكون وهـبـت غـضـبة الـثـار

فـلـيـغنم الــجـور إقـبـال الـزمـان لــه
فــــإن إقــبـالـه إنــــذار إدبــــار

والــنــاس شـــر وأخــيـار وشــرهـم
مــنــافـق يــتــزيـا زي أخـــيــار

وأضـيـع الـنـاس شـعـب بــات يـحـرسه
لــــص تــسـتـره أثـــواب أحــبـار

فـــي ثــغـره لــغـة الـحـاني بـأمـته
وفـــي يــديـه لــهـا سـكـين جــزار

حــقـد الـشـعـوب بـراكـيـن مـسـمـمة
وقــودهــا كــــل خـــوان وغـــدار

مـــن كــل مـحـتقر لـلـشعب صـورتـه
رســـم الـخـيـانات أو تـمـثـال أقـــذار

وجــثـة شـــوش الـتـعـطير جـيـفـتها
كـأنـهـا مـيـتـة فـــي ثــوب عـطـار

بــيـن الـجـنـوب وبـيـن الـعـابثين بــه
يـــوم يــحـن إلــيـه يــوم" ذي قــار"


ويسترسل الحديث بحضرة رسول الله صلّ الله عليه وسلّم كاشفا عن كلّ ما يوغر صدره من المفسدين وفسادهم:

يـاخـاتـم الـرسـل هــذا يـومـك انـبـعثت
ذكــراه كـالـفجر فــي أحـضـان أنـهـار

يــا صـاحب الـمبدأ الأعـلى ، وهـل حـملت
رســالــة الــحــق إلا روح مــخـتـار؟

أعـلـى الـمـبادئ مــا صـاغـت لـحـاملها
مــن الـهـدى والـضـحايا نـصـب تـذكـار

فـكـيـف نــذكـر أشـخـاصـا مـبـادئـهم
مـبـادئ الـذئـب فــي إقـدامـه الـضاري ؟!

يــبــدون لـلـشـعب أحـيـانـا وبـيـنـهم
والـشـعب مــا بـيـن طـبـع الـهر والـفار

مــا أغـنـيك يــا" طــه " وفــي نـغمي
دمـــع وفــي خـاطـري أحـقـاد ثــوار ؟

تـمـلـملت كـبـريـاء الــجـرح فـانـتزفت
حـقـدي عـلـى الـجور مـن أغـوار أغـواري


ويتذكّر البردوني في ساعة أنّه في حضرة خير البريّة فيطلب العفو والصفح:

يــا" أحـمـد الـنـور" عـفوا إن ثـأرت فـفي
صــدري جـحـيم تـشـظت بـيـن أشـعاري


وكما وفود اليمن عندما قدمت زعماءها إلى المبعوث بالرسالة صلّ الله عليه وسلّم ينتسب البردوني:

" طـــه " إذا ثــار إنـشـادي فــإن أبــي
" حـسـان " أخـبـاره فــي الـشعر أخـباري

أن ابــن أنـصـارك الـغـر الألــى قـذفـوا
جــيـش الـطـغاة بـجـيش مـنـك جــرار

تـظـافرت فــي الـفـدى حـولـيك أنـفـسهم
كــأنـهـم قــــلاع خــلـف أســـوار


وقد جعل البردوني من البيتين التاليين شعارا يسري عند أهل اليمن والإيمان:

نـحـن الـيـمانين يــا" طــه " تـطـير بـنا
إلـــى روابـــي الــعـلا أرواح أنـصـار

إذا تــذكــرتَ " عــمــارا " وســيـرتـه
فـافـخـر بــنـا إنـنـا أحـفـاد " عـمـار"


ويصلي ويسلّم البردوني على حبيبه وشفيعه في آخر المقام:

"طــه " إلـيـك صــلاة الـشـعر تـرفـعها
روحـــي وتـعـزفـها أوتـــار قيثار



وصلاة ربي تغشى النبي الهادي محمدا صلّ الله عليه وسلّم


بـشـرى مــن الـغيب ألـقت فـي فـم الـغار = وحـيـا وأفـضـت إلــى الـدنـيا بـأسـرار
بـشـرى الـنـبوة طـافـت كـالـشذا سـحـرا = وأعـلـنـت فـــي الـربـا مـيـلاد أنــوار
وشــقـت الـصـمـت والأنــسـام تـحـملها = تـحـت الـسـكـينة مـــن دار إلـــى دار
وهــدهـدت مــكـة الـوسـنـى أنـامـلـها = وهـــزت الـفـجـر إيــذانـا بـإسـفـار
فـاقـبل الـفـجر مــن خـلـف الـتلال وفـي = عـيـنـيـه أســـرار عــشـاق iوســمـار
كــأن فـيـض الـنـدى فــي كــل رابـية = مــوج وفــي كــل سـفـح جــدول جـار
تـدافـع الـفـجر فــي الـدنـيا يــزف إلـى = تـاريـخـهـا فــجـر أجــيـال وأدهـــار
واسـتـقـبل الـفـتـح طـفـلا فــي تـبـسمه = آيــات بــشـرى وإيــمـاءات إنـــذار
وشــب طـفـل الـهـدى الـمـنشود مـتـزرا = بـالـحـق مـتـشـحا بـالـنـور والــنـار
فــي كـفـه شـعـلة تـهـدي وفــي فـمـه = بـشـرى وفــي عـيـنيه إصــرار أقـدار
وفـــي مـلامـحـه و عــد وفــي دمــه = بــطـولـة تــتـحـدى كــــل iجــبـار
وفـــاض بـالـنور فـاغـتم الـطـغاة بــه = والـلـص يـخشى سـطوع الـكوكب الـساري
والـوعـي كـالـنور يـخـزى الـظالمين كـما = يـخـزي لـصـوص الـدجـى إشـراق أقـمار
نــادى الـرسـول نــداء الـحـق فـاحتشدت = كـتـائـب الــجـود تـنـضي كــل بـتـار
كــأنـهـا خــلـفـه نــــار مـجـنـحة = تــجـري وقــدامـه أفـــواج إعــصـار
فــضـج بـالـحق والـدنـيا بـمـا رحـبـت = تــهــوي عـلـيـه بــأشـداق وأظــفـار
وســــار والـــدرب أحــقـاد مـسـلـخة = كــأن فــي كــل شـبـر ضـيغما ضـاري
وهـــب فــي دربــه الـمـرسوم مـنـدفعا = كـالـدهـر يــقـذف أخــطـارا بـأخـطار
فـأدبـر الـظـلم يـلـقى هــا هـنـا أجــلا = وهـــا هــنـا يـتـلـقى كـــف حـفـار
والـظـلم مـهـما احـتـمت بـالبطش عـصبته = فـلـن تـطـق وقـفـة فــي وجـه تـيـار
رأى الـيـتـيـم أبـــو الأيــتـام غـايـتـه = قــصـوى فـشـق إلـيـها كــل مـضـمار
وامــتـدت الـمـلة الـسـمحا يــرف عـلـى = جـبـيـنـها تــــاج إعــظـام وإكــبـار
مـضـى إلــى الـفـتح لا بـغـيا ولا طـمـعا = لـــكــن حــنـانـا وتـطـهـيـرا لأوزار
فــأنـزل الـجـور قـبـرا وابـتـنى زمـنـا = عـــدلا تـــــدبـره أفــكـار أحــرار
يــا قـاتـل الـظـلم صـالـت هـاهنا وهـنا = فـظـايـع أيـــن مـنـها زنــدك الــواري
أرض الـجـنوب ديــاري وهــي مـهد أبـي = تــئـن مـــا بــيـن سـفـاح وسمـسار
يــشـدهـا قــيــد ســجـان ويـنـهـشها = ســـوط ويـحـدو خـطاها صــوت خمـار
تـعـطـي الـقـياد وزيــرا وهــو مـتـجر = بـجـوعـها فـهـو فـيـها الـبـايع الشـاري
فـكـيـف لانــت لـجـلاد الـحـمى عــدن = وكــيـف ســاس حـمـاها غــدر فـجـار
وقـــادهــا زعـــمــاء لا يــبـررهـم = فــعــل وأقـواهـلـهم أقـــوال أبـــرار
أشــبـاه نــاس وخـيـرات الـبـلاد لـهـم = ووزنــهـم لا يــسـاوي ربـــع ديــنـار
ولا يـصـونـون عــنـد الــغـدر أنـفـسهم = فـهـل يـصـونون عـهـد الـصـحب والـجار
تـــرى شـخـوصـهم رسـمـيـة وتــرى = أطـمـاعهم فــي الـحـمى أطـمـاع تـجـار
أكـــاد أســخـر مـنـهم ثــم تـضـحكني = دعــواهــم أنــهـم أصــحـاب أفــكـار
يـبـنـون بـالـظـلم دورا كـــي نـمـجدهم = ومجـدهـم رجـــس أخــشـاب وأشـجـار
لا تـخـبـر الـشـعـب عـنـهـم إن أعـيـنه = تـــرى فـظـائعهم مــن خـلـف أسـتـار
الآكــلـون جـــراح الـشـعـب تـخـبـرنا = ثــيـابـهـم أنـــهــم آلات أشـــــرار
ثـيـابـهم رشـــوة تـنـبـي مـظـاهـرها = بــأنـهـا دمــــع أكــبـاد وأبــصـار
يــشــرون بــالـذل ألـقـابـا تـسـتـرهم = لـكـنـهـم يـسـتـرون الــعـار بـالـعـار
تـحـسـهم فــي يــد الـمـستعمرين كـمـا = تــحـس مـسـبـحة فــي كــف سـحـار
ويــــل وويـــل لأعـــداء الــبـلاد إذا = ضــج الـسـكون وهـبـت غـضـبة الـثـار
فـلـيـغنم الــجـور إقـبـال الـزمـان لــه = فــــإن إقــبـالـه إنــــذار إدبــــار
والــنــاس شـــر وأخــيـار وشــرهـم = مــنــافـق يــتــزيـا زي أخـــيــار
وأضـيـع الـنـاس شـعـب بــات يـحـرسه = لــــص تــسـتـره أثـــواب أحــبـار
فـــي ثــغـره لــغـة الـحـاني بـأمـته = وفـــي يــديـه لــهـا سـكـين جــزار
حــقـد الـشـعـوب بـراكـيـن مـسـمـمة = وقــودهــا كــــل خـــوان وغـــدار
مـــن كــل مـحـتقر لـلـشعب صـورتـه = رســـم الـخـيـانات أو تـمـثـال أقـــذار
وجــثـة شـــوش الـتـعـطير جـيـفـتها = كـأنـهـا مـيـتـة فـــي ثــوب عـطـار
بــيـن الـجـنـوب وبـيـن الـعـابثين بــه = يـــوم يــحـن إلــيـه يــوم" ذي قــار"
يـاخـاتـم الـرسـل هــذا يـومـك انـبـعثت = ذكــراه كـالـفجر فــي أحـضـان أنـهـار
يــا صـاحب الـمبدأ الأعـلى ، وهـل حـملت = رســالــة الــحــق إلا روح مــخـتـار؟
أعـلـى الـمـبادئ مــا صـاغـت لـحـاملها = مــن الـهـدى والـضـحايا نـصـب تـذكـار
فـكـيـف نــذكـر أشـخـاصـا مـبـادئـهم = مـبـادئ الـذئـب فــي إقـدامـه الـضاري ؟!
يــبــدون لـلـشـعب أحـيـانـا وبـيـنـهم = والـشـعب مــا بـيـن طـبـع الـهر والفار
مــا أغـنـيك يــا" طــه " وفــي نـغمي = دمـــع وفــي خـاطـري أحـقـاد ثــوار ؟
تـمـلـملت كـبـريـاء الــجـرح فـانـتزفت = حـقـدي عـلـى الـجور مـن أغـوار أغـواري
يــا" أحـمـد الـنـور" عـقوا إن ثـأرت فـفي = صــدري جـحـيم تـشـظت بـيـن أشـعاري
" طـــه " إذا ثــار إنـشـادي فــإن أبــي = " حـسـان " أخـبـاره فــي الـشعر أخـباري
أن ابــن أنـصـارك الـغـر الألــى قـذفـوا = جــيـش الـطـغاة بـجـيش مـنـك جــرار
تـظـافرت فــي الـفـدى حـولـيك أنـفـسهم = كــأنـهـم قــــلاع خــلـف أســـوار
نـحـن الـيـمانين يــا" طــه " تـطـير بـنا = إلـــى روابـــي الــعـلا أرواح أنـصـار
إذا تــذكــرتَ " عــمــارا " وســيـرتـه = فـافـخـر بــنـا إنـنـا أحـفـاد " عـمـار"
"طــه " إلـيـك صــلاة الـشـعر تـرفـعها = روحـــي وتـعـزفـها أوتـــار قـيـثـار


قفل الباب الخامس بحمد الله تعالى




- 6 –



فتح الباب السادس بـسم الله تعالى:


سند باد يمني في معهد التحقيق


لم ينسى البردوني أقبية القلاع وسراديب الزنازين وصكوك الجلادين ووشايات المنافقين وتحقيقات المزيفين.

استمع إلى قصيدته التي حوت من ملامح الحداثة في شعر البردوني
قصيدة سلسة وخفيفة وعذبة جاءت بطريقة حوار:
س سؤال و ج جواب
بينه وبين من يحقّق معه
وقد ألبسها ثوب الهزل والفكاهة والسخرية


كما شئت فتّش … أين أخفي حقائبي = أتسألني من أنت ؟ .. أعرف واجبي
أجب ، لا تحاول، عمرك ، الاسم كاملا = ثلاثون تقريبا … (مثنى الشواجبي)
نعم ، أين كنت الأمس ؟ كنت بمرقدي = وجمجمتي في السجن في السوق شاربي
رحلت إذن ، فيما الرحيل ؟ أظنّه = جديدا ، أنا فيه طريقي وصاحبي
إلى أين ؟ من شعب لثان بداخلي = متى سوف آتي ! حين تمضي رغائبي
جوازا سياحيا حملت ؟.. جنازة = حملت بجلدي ، فوق أيدي رواسبي
… من الضفة الأولى ، رحلت مهدّما = إلى الضفة الأخرى ، حملت خرائبي
مراء غريب لا أعيه … و لا أنا = متى سوف تدري ؟ حين أنسى غرائبي
تحدّيت بالأمس الحكومة ، مجرم = رهنت لدى الخباز ، أمس جواربي
من الكاتب الأدنى إليك ؟ ذكرته = لديه كما يبدو ، كتابي وكاتب
لدى من ؟ لدى الخمار ، يكتب عنده = حسابي ، ومنهى الشهر ، يبتزّ راتبي
قرأت له شيئا ؟ كؤوسا كثيرة = وضيّعت أجفاني ، لديه وحاجبي
قرأت ـ كما يحكون عنك ـ قصائدا = مهرّبة … بل كنت أوّل هاربي
أما كنت يوما طالبا ؟.. كنت يا أخي = وقد كان أستاذ التلاميذ ، طالبي
قرأت كتابا مرة ، صرت بعده = حمارا ، حمارا لا أدرى حجم راكبي
أحبّبت ؟ لا بل مت حيا … من التي ؟ = أحببت حتى لا أعي ، من حبانبي
وكم متّ مرات ؟.. كثيرا كعادتي = تموت وتحيا ؟ تلك إحدى مصائبي
وماذا عن الثوار ؟ حتما عرفتهم ! = نعم . حاسبوا عني ، تغدّوا بجانبي
وماذا تحدثتم ؟ طلبت سجارة أظنّ = وكبريتا … بدوا من أقاربي
شكونا غلاء الخبز … قلنا ستنجلي = ذكرنا قليلا … موت (سعدان ماربي)
وماذا ؟ وأنسانا الحكايات منشد = ( إذا لم يسالمك الزمان فحارب)
وحين خرجتم ، أين خبّأتهم ، بلا = مغالطة ؟ خبأتهم ، في ذوائبي
لدنيا ملفّ عنك … شكرا لأنكم = تصونون . ما أهملته من تجاربي
لقد كنت أميّا حمارا وفجأة = ظهرت أديبا … مذ طبختم مأدبي
خذوه … خذوني لن تزيدوا مرارتي = دعوه … دعوني لن تزيدوا متاعبي


( إذا لم يسالمك الزمان فحارب )

وكم حارب البردوني وكم كم حاربوه
كان من الشراسة أنّى يغلبوه
وانتصر انتصر وظنوا هازموه



قفل الباب السادس بحمد الله تعالى




- 7 –


فتح الباب السابع بـسم الله تعالى

في حوار أجرته معه القناة الفضائية ANN على أعتاب نهاية القرن العشرين وقد كان اللقاء بمثابة آخر لقاء له مع قناة تلفزيونية بحيث توفي (رحمه الله) بعد تلك المقابلة بأيام معدودات..
ما يزال صدى كلمات المذيع مقدم الحوار تهتف في أذني وعيونه بالدمع توشك أن تفيض:
لقد قال لي الشاعر الكبير عبد الله البردوني، بعد نهاية حوارنا:
- يا بني، كم من مذيعين قبلك قد أجروا معي حوارات وحوارات وهذا من الـ ِANN و ذلك من الـ MBC و تلك من الـ LBC وآخرون من القناة الفضائية الفلانية وغيرهم من قناة علانية.. وما سمعت ولا شاهدت من لقاء قد خرج إلى العلن.. لا تتعب حالك يا بني، لن يسمحوا لك، وسوف أموت دون أن أشاهد من جميع تلك المقابلات حتى واحدة.
- يجيبه محاوره: اطمئن، هذه المرة سوف تشاهد اللقاء يا عم، نحن قناة حرّة، لا تحتكم إلى أمر أحد من المسئولين أو غيرهم.
وخرجت مودعا وصورة ذلك العملاق لا تفارقني وضحكته تدوي في مسمعي.. وها أنا اليوم أقدم لكم تلك المقابلة، بعد موته (يرحمه الله).. ليس لأننا منعنا من بثها لكن السبب يرجع إلى الأيام التي قضيتها في صنعاء ثم العودة من السفر إلى لندن والانتهاء من لوازم الإعداد والتقديم لتلك المقابلة.. كم أتألم اليوم لأن البردوني لن يشاهد اللقاء كما وعدته حيث كان الموت إليه أسبق.. وقد صدق عندما قال: سأموت قبل أن أشاهد لي حوارا واحدا قد أجري معي.


وبعد موته (يرحمه الله)، حررت كافة القنوات الرسمية منها والتجارية لقاءات البردوني من قيودها وأطلقتها من معقلها وبثتها على جميع الناس.
أخيرا، رفع الحظر عن البردوني وتراثه.

وأذكر ملحوظة مهمة بأنّي قد استمعت إلى محاورة للبردوني عدّد فيها من أسماء فلاسفة وعباقرة ومفكرين في الأدب الفرنسي أذهلتني وأدهشتني..
حتى سمعت عن أسماء من النادر معرفتها.. علما أني من خريجي الجامعة الثامنة في باريس التي أمضيت فيها قرابة عقدين من الزمن في التعلم والدراسة.

عندما يتحدث الإمام محمد عبده أو طـه حسين أو المنفلوطي أو الطهطاوي.. فلا من غرابة ولا من استغراب..

لكنّ البردوني وحديثه في الأدب الفرنسي ورواده يزيد العجب من رجل في حاله لم يكن في يوم ما من خريجي السوربون أو غيرها من الجامعات..

كان البردوني معجزة..

كان البردوني نسيج وحده.


في صيف العام 1993، كان البردوني على موعد مع أكبر جائزة سوف يتسلمها وأغلى وسام سوف يتقلده.. حيث التقى به في قصر الشانزليزيه في باريس رئيس الدولة في جمهورية فرنسا السيد جاك شيراك الذي قام بوضع وسام الفرسان من درجة فارس chevalier وهو وسام عزيز وغالي في نفوس الفرنسيين لما لسلاح فرسانهم في المدرسة الحربية القديمة مذ قرون من هيبة ونبل وشجاعة.. ولا يمنح ذلك الوسام في فرنسا إلاّ لكبار ومشاهير الزعماء.. وقد ناله البردوني بكلّ كفاءة وجدارة واستحقاق.

ترجمت معظم أعماله الشعرية والأدبية والفكرية إلى لغات عديدة كان على رأسها الانجليزية والفرنسية.

تربع البردوني على عرش إمارة الشعر العربي حيث توج 4 مرّات: في العراق (1971) في الأردن (1981) في مصر (1982) في الإمارات (1994)
وفي عام 1997 اختير الراحل البردوني كأبرز شاعر ضمن استبيان ثقافي.
وفي عام 1982 أصدرت الأمم المتحدة عملة فضية عليها صورة الأديب البردوني.



بلغت شهرة البردوني أفقا عالميا، متجاوزة كلّ الحدود ومكسرة كلّ القيود، تحدثت عنه بإسهاب كافة الصحف والمجلات العربية والعالمية العملاقة منها الواشنطن بوست الأميركية والتايمز اللندنية ولوموند الفرنسية وليبيراسيون وكورن دافريك ... الخ

قالت عنه الواشنطن بوست:

كان الأستاذ البردوني، الراحل من أعظم شعراء اللغة العربية المعاصرين، الذين أثروا الأدب العربي بإبداعاتهم، وأعمالهم، وروائعهم الأدبية.

كما كتبت أخبار الأدب:

برحيل البردوني تفقد الثقافة واحداً من أعلامها المهمين على مدى نصف قرن، ويفقد الشعر العربي، واحداً من أهم أعلام الكلاسيكية في هذا القرن، ممن يمكن أن نسميهم الكلاسيكيون الجدد.

ومن الصحافة الأوروبية أيضا فقد كتب السيد لورانس:

تميزت حياة البردوني بالكثير من المفارقات فهو سياسي راديكالي، يعتز بالتراث، وعلماني مفتون بأرض بلاده، وبطل للكلمة المكتوبة.. و فوق كل ذلك فهو أعمى تمكن من رؤية الحقيقة، ولم يكن يتردد عن الإعراب عن آرائه بكل جرأة، وصدق.

معظم الأدباء والمفكرين والفلاسفة والشعراء العرب وأقرانهم في الغرب تحدثوا عن البردوني بشكل وبآخر.. وجميعهم قد اتفقوا على أنه من أبرز شعراء القرن.



دقّت الساعة الحادية عشرة تماما من صباح الاثنين 30 أغسطس 1999 حيث توقف قلب الأديب الشاعر الراحل عن الخفقان بعد أن خلد اسمه كواحد من أعظم شعراء العربية في القرن العشرين.


وبعد: فقد كان البردوني من أباطرة الشعر وأساطيره
كان من الطراز الأولّ كما كان شعره من الطراز الأوّل
كان أمير النظم والقوافي كما كان فارس البيداء والفيافي
تغلّب في حياته على الطاعون والجدري والملاريا
كما تغلّب على السجون والجلادين والمنافقين

لست هنا في مجال كتابة سيرة البردوني وتأريخ حياته الأدبية والشعرية ودراساته وأبحاثه ومؤلفاته العديدة ولا للتعريف به فالبردوني غني عن التعريف.. وإنّما وضعت كتيبي هذا المكون من 100 صفحة من الحجم الصغير (أشبه بكتيب الجيب) كأقلّ تقدير أقدمه بكلّ تواضع لرجل خدم بلده وأمته وقليل في الرجال من عمل بعمله.

ليس بما ورد من كتيبي كاملا، وإنما ثلثه أو نصفه بعد أن استبعدت أشياء كثيرة عن أعماله ودراساته وترجماته،
مراعيا ظروف النت ورواده واكتفيت بهذا القدر من الطرح في مناسبة حلول الذكرى التاسعة على رحيل الشاعر الكبير .


مذ أسبوعين، طالعتنا قناة المستقلة باستفتاء لاختيار أبرز شعراء القرن العشرين من بين ستة أسماء من الشعراء الكبار الخالدين.. ولم أجد اسم البردوني ضمن أسماء الستة الكبار.. فجنّ جنوني.. إنّ الفرصة مواتية لكي أسعى وأنشط وأجتهد مهما تكلفت من عناء وشقة لكي يوضع اسم البردوني مع كبار الأسماء ويخلّد في سجل الخالدين كما كان في حياته. يصعب على الأجيال أن تنساه.. لكن ربّما غفلت عنه المستقلة لأن العرب نسوا اليمن فأضحى البردوني منسيا مثل وطنه ووطني (اليمن).

وفي صبيحة الاثنين 1 ديسمبر 2008 بعثت برسالتي (نسخة مرفقة) إلى الأخ العزيز مالك ومدير محطة المستقلة الأخ محمد الهاشمي الحامدي أطلب منه مشكورا وضع اسم البردوني ضمن الكبار في الاستفتاء الجاري.. وأشكر أخي الهاشمي على تلبيته واستجابته لرسالتي على الفور وتسجيل اسم البردوني سابعا بعد الستة السابقة اسماءهم حيث ظهر اسمه على الشاشة في عصر يوم استلام الرسالة.

كم شعرت بالفخر عندما رأيت اسم البردوني متمثلا عن وطننا اليمن خاصة وعن الوطن العربي الكبير عامة، الفرحة لم تسعني والغبطة، فأخيرا أحسست من أعماق نفسي بأني قدمت للبردوني أقلّ ما يستحقّ وبرز اسمه إلى جانب ابرز شعراء القرن.. لا يهمني إن اختير كأبرزهم أم لا.. فجميعهم يستحقون اللقب.. لكن المهم عندي، أن اسمه موجود، أنّ اسمه لم يغيب.. هذا الاسم الذي طالما ابرز اسم اليمن في كلّ محفل من محافل العرب.. طالما تردد ذكره مع ذكر اليمن على كل لسان من الجزائر إلى البحرين ومن دكا إلى داكار.




قفل الباب السابع بحمد الله تعالى





الرسالة


رسالتي إلى المستقلة


أخي العزيز محمد الهاشمي الحامدي

سلام الله عليك ورحمته وبركاته

ثم أما بعد:

فقد استغربت من عدم وجود ذكر الأديب والمفكر والشاعر العربي اليمني الأستاذ عبد الله البردوني ضمن أسماء شعراء القرن العشرين..

البردوني، رحمه الله، رمز الشعر في الوطن العربي، سافرت شهرته شرقا وغربا، وما تزال قصيدته أبو تمام وعروبة اليوم من روائع الشعر العربي العتيق التي تردد حتى اليوم.

في العام 1971 استحق جائزة إمارة الشعر والأدب العربي في الموصل بالعراق وبوجود نزار قباني ومحمود درويش والجواهري وكافة جهابذة الشعر العربي.

واحتفظ بتربعه على إمارة الأدب والشعر العربي في العام 1981 عندما تسلّم بالقاهرة جائزة شوقي وحافظ

وفي نفس العام أيضا استحق على جائزة جرش في الأردن.

في العام 1982 أصدرت الأمم المتحدة عملة فضية عليها صورته تخليدا لأعماله.

وفي العام 1993 قلده الرئيس جاك شيراك رئيس جمهورية فرنسا أرفع وسام في فرنسا من الدرجة الأولى ألا وهو وسام الفروسية بدرجة فارس chevalier وهو وسام لا تمنحه الدولة في فرنسا إلا لكبار زعماء الدول المشهورين.

في العام 1997 اختير كأبرز شاعر عربي في القرن العشرين ضمن استبيان ثقافي عربي.

ترجمت معظم أعماله الأدبية والشعرية إلى لغات عديدة منها الفرنسية والانجليزية.

تحدثت عنه وعرفت به معظم الصحف العالمية منها لوموند والتايمز والواشنطن بوست وليبراسيون وغيرها من الصحف الرسمية والشعبية ذائعة الصيت . .

وما هذه إلاّ بعض محطات في سكّة حياة الرجل.

أفلا يجوز لي بعد هذا، أن أستعجب وأستغرب من إغفال اسمه ضمن لائحتكم.

في الختام، تقبلوا خالص المودة وفائق الاحترام



أخوكم/ نجد الحسيني


أكرر شكري وعرفاني وتقديري وامتناني للأخ العزيز الهاشمي ولقناة المستقلة العربية على حسن التعاون منهم وجميل الإجابة.


*+* النهــــــــــايـــــــــــة +*+



من أوراق وبقلم: نجد بن صالح الحسيــني

تعديل الرسالة…

تعليق واحد على { الشاعر المبجّل عبد الله البردوني " من أبرز شعراء القرن !! " }

tamgk يقول...
15 نوفمبر 2016 في 8:40 ص [حذف]

صدقة اخي ابوصالح فالرجل يستحق اكثر لاكن استغرب حكومة اليمن التي خلد ذكرها لم تكرمه ولوا بشى بسيط من ماقدمه لك كل الشكر والتقدير

هل تريد التعليق على التدوينة ؟