وندهش غاية الدهشة عندما نسمع من احد معجبيه في عصره ان الشيخ علي وحتى سن البنوّة لم تكن له علاقات بالفن من اي نوع كان اشتغل " كاتبا " في مرفق من مرافق الانجليز لمعرفته باللغة الانجليزية " ثم دلاّلا في المعلا " عندما كانت مكانا للحركة التجارية النشطة وفي عمله هذا تعرف على احد التجار من صنعاء وتوطدت الصداقة بينهما وعن طريق هذا التاجر تعرف على احد المطربين من صنعاء واستمع الى غنائه فتأثر الشيخ علي تأثرا بالغا وهزته انغام هذا المطرب هزا عنيفا وكان هذا اللقاء نقطة تحول في حياة الشيخ علي ابوبكر ياشراحيل وفي فترة قصيرة اصبح الشيخ علي ابوبكر يعزف ويغني ويترك الدلالة ليحترف الغناء .
حكاية كهذه يصدقها العارف ؟! لا ثم لا ولا فنان عنده هذه الموهبة الفذة في الغناء ، واي غناء ؟! لايطوله طائل بهذه السهولة التي حكته لنا هذه الحكاية الساذجة وحولته من جلسة غنائية واحدة من ( دلاّل ) في التجارة الى شيخ في الغناء .
ماسمعنا ولا قرأنا قط ان فنانا في دنيا الغناء - مشرقا ومغربا - تحركت في دخيلته الموهبة الفنية فجاءة في سن متأخرة وصار ما صار عليه الشيخ علي من نبوغ في الغناء حتى اولئكم الفنانون العاديون في دنيا الغناء لابد لهم من صلة باي لون من الوان الغناء صغارا فكيف بنابغة اتينا في مستهل هذا الحديث بوصف لفنه ربما لايكون وافيا تكون علاقته بالغناء بهذه البساطة وفي لون من الوان الغناء اليمني اشد صعوبة .
انه ربما من سوء او حظه ان يكون الشيخ الفنان وحيد ابويه وانه لم يبق على قيد الحياة من اقاربه او اصدقائه الحميمين مايدلنا على حقيقة حياته عدا بعض اقاربه من زوجته الذين عرفوه بعد ان اصبح فنانا لامعا وماعلينا والحالة هذه الا الاستنتاج من خلال سلوكه المعروف لدى الجميع في مسيرته الفنيه .
والحقائق الفنية لدى البشر على كوكب الارض وليس من شك ان يكون الشيخ علي ابوبكر باشراحيل قد عشق الغناء صبيا وكبت هذا العشق وظل عليه حتى بعد ان تعلمه ومارسه بينه وبين نفسه اعتبارا لسوء احوال ممارسة الغناء في وقته وفي الخصوص مجال الاحتراف الذي لازال قائما وانما بخصائص عصره والذي سنكشفه في مؤلف اخرمن خلال التجربة الحية والفنان لا المطرب يلقى شتى صنوف العذاب من جرائه من اجل ذلك صمت الشيخ الفنان علي ابوبكر باشراحيل دهرا ومكنته معرفته باللغة الانجليزية ان ينخرط في العمل كما ذكر وعند بلوغه سن الشيخوخة وجد نفسه غير قادر على الاستمرار في حبس موهبته فخرج الى الناس بفنه اشباعا لرغبته وموهبته من جهة ورزقا حلالا يجنيه له ولاسرته من جهة اخرى خوفا من مغبة السؤال اذا ماوصل الى ارذل العمر وان كان الرزق الحلال في الاحتراف الغنائي ضئيل الا انه يكفي ما يسد الحاجة شأنه في ذلك شأن اي فن من الفنون حلاله من فضة وحرامه من ذهب ونستند في استنتاجنا في الاولى ان الحاج عبد المجيد حجام صديق الشيخ علي ابوبكر باشراحيل قد قال لي في الخمسينات ان الشيخ علي كان يدعونا نحن المحبين بفنه بين وقت واخر للمقيل في بيته ليمتعنا بفنه والجديد الذي يصل اليه من هذا الفن وفي الثانية باجماع من عرفوه انه كان يرفض دعوات مجالس اللهو والعبث والمجون التي كانت سائدة بكثرة في عصره وكان المطربون الذين يحضرون مثل هذه المجالس يخرجون بغنيمة نقدية لا يحصل الشيخ الفنان علي مادون النصف من ذلك في مجالس الشرف .
ان فن الشيخ علي ابوبكر باشراحيل وعفته وحرصه الشديد على احترام شخصيته رفعه الى المكانة الاولى في الاحتراف الغنائي في عدن الى ان لقى ربه وكان له مركزه الاجتماعي في المجتمع وقد قال لي شاهد عيان ان احد الاثرياء في مدينة التواهي اقام عرسا كبيرا واقسم هذا الثري ان ينحر ( كبشا ) في كل خطوة يخطوها الشيخ الفنان علي ابوبكر باشراحيل من مدخل سقيفة الحفل حتى المقعد المخصص له .
ومن عفته ايضا كما يقال انه لم يكن يتناول اي طعام في حفلات الاعراس الكبيرة كغيره من زملائه كما جرت العادة الا اذا كانت مواقع هذه الحفلات بعيدة عن منزله .
وفي هذه المناسبات الكبيرة التي اوردنا توضيحا لتقاليدها في حياة الشيخ صالح عبدالله العنتري ويحتل الشيخ الفنان علي ابوبكر باشراحيل في مثل هذه المناسبات الكبيرة مقدمة المطربين في مواجهة العريس وحواليه معجبوه من الذواقة الذين لا يفارقونه اينما يذهب وحتى اذا لم توجه اليهم الدعوة يرتدي الشيخ ( قميصه ) الابيض ولا يجلس الى جانبه احد سوى عوده الصغير وكان لايقبل الطبلة او الدف لانهما على حد رأيه - كما روى احد معجبيه - تفسد عليه الانسجام .
وكان يتفعل احيانا عندما يخيم الصمت على الجميع من تخدير القات فيند فع في الغناء يلحق الاغنية بالاخرى وترهف الاسماع لتلقي النغم الشجي ولا يحس بالناس من حوله حتى ياخذه التعب ويتوقف فتتعالى هتافات الاعجاب ..الله .. الله ياشيخ علي وفي منتصف اخر ليلة من حفلات الزواج الكبيرة ينزل العريس من مجلسه ليرقص وبيده السيف على نغمات الشيخ الفنان وهو يشدو ويلحن ( غصن من عقيان اثمر ) .
وقال لي الحاج عبد المجيد حجام ايضا انه - الشيخ علي - اذا مادعى لأي مقيل وكان في المقيل اناس يتحدثون اثناء غنائه او ان من دعاه لا يوليه عناية خاصة من حيث المجلس المحترم والقات والتمباك الممتازين فانه بكل سهولة يضع عوده في جرابه ويمشي بدون كلام .
ويذكر لنا الدكتور محمد عده غانم في كتابه " شعر الغناء الصنعاني " كما افاده الشيخ محمد حسن مدى ان الشيخ علي ابوبكر باشراحيل توفى عام 1951م .
المصادر: الغناء اليمني القديم ومشاهيره لمؤلفه الفنّان الأستاذ محمد مرشد ناجيباقة مختارة من أغاني
المرحوم الفنان الشيخ
علي أبو بكر باشراحيل
هدية لكم مني مع خالص حبي وأشواقي:
تجدونها على الرابط التالي:
وعددها (26) أغنيـة!
رابط أغاني الفنّان الشيخ علي أبو بكر من هنـــــــــامن أغانيه الخالدة:
سهاد عيني
شرح الدمع على متن الخدود
مرضي من مريضة الأجفان
عللاني بذكرها عللاني
لله ما يحويه هذا المقام
وا مغرد بوادي الدور
جرت عادة الحب
من سحر عينيك الأمان الأمان
قال المعنى لمه يا ساجي الأعيان
ما لقلبي وللوجد
فيما يلي ما جاء عن كتاب الغناء اليمني القديم ومشاهيره للمؤلف الفنان الأستاذ محمد مرشد ناجي : -


أتمنى لكم أمتع الإستماع
وإلى اللقاء إن يشاء الله
مع سيرة وروائع فنان آخر !
نجد الحسيني
هل تريد التعليق على التدوينة ؟